عبد الوهاب الشعراني

193

القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية

من اللّه شيء ، ولا يجوز ذلك عليه بوجه من الوجوه ، فقال في باب الأسرار : لا يجوز لعارف ولو بلغ أقصى مراتب التّقريب أن يقول : أنا اللّه ، بل حاشا العارف من هذا القول حاشاه ، بل الواجب عليه أن يقول : أنا العبد الذّليل في المسير والمقيل « 1 » . وقال في الباب التّاسع والسّتّين ومائة « 2 » : القديم لا يصحّ أن يكون محلّا للحوادث ، ولا أن يكون حالّا في المحدث ، وإنّما الوجود الحادث والقديم مربوط بعضه ببعض ربط إضافة العقل وحكم لا ربط وجود عين ، فإنّ الرّبّ لا يجتمع مع العبد في مرتبة واحدة أبدا ، وغاية الأمر أن يجمع بين العبد والرّبّ في الوجود ، وليس ذلك بجامع ؛ لأنّنا إنّما نعني بالجامع نسبة المعنى إلى كلّ واحد على حدّ نسبته إلى الآخر ، لا إطلاق الألفاظ ، وهذا غير موجود ، انتهى . وقالت الوليّة الكاملة سيّدة العجم في " شرح المشاهد " « 3 » : اعلم أنّ الرّبوبيّة مرتبطة بالعبوديّة ارتباط مقابلة ، كارتباط حرف " لا " ؛ لأنّ كلّ واحد من هذين الحرفين اللذين قد صارا واحدا في النّظر متوقّف على الآخر عند وضع حقيقة هذا الحرف ، انتهى . أي فمعرفة العبد للّه - تعالى - لا تعقل إلّا بوجود العبد « 4 » ، وأمّا حديث : " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به . . . إلى آخره " « 5 » ، فليس المراد به معنى الحدوث في نفس الأمر ، كما

--> ( 1 ) العبارة في الفتوحات : " فإنك إذا علمت حكمت ونسبت ونصبت ، وكنت أنت أنت ، وصاحب هذا العلم لا يقول قط أنا اللّه ، وحاشاه من هذا حاشاه ، بل يقول : أنا العبد على كل حال ، واللّه الممتن علي بالإيجاد ، وهو المتعالي " . انظر : الفتوحات المكية ، باب الأسرار ، 8 / 88 . ( 2 ) عنوان هذا الباب هو " في معرفة مقام ترك الأدب وأسراره " . ولم أعثر على كلام محيي الدين الذي أشار إليه الشعراني في هذا الباب البتة . ( 3 ) تقدم بيان عن شرح المشاهد وسيدة العجم . ( 4 ) " د " : قوله : " أي فمعرفة العبد للّه - تعالى - لا تعقل إلا بوجود " ساقط . ( 5 ) أخرجه البخاري في الصحيح ، كتاب الرقاق ( الباب 809 / 1367 ) ، 8 / 483 ، وروايته : " إن اللّه قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به . . . " ، وفي مسند أحمد : " ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فأكون أنا سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، وقلبه الذي يعقل به ، فإذا دعاني أحببته ، وإذا سألني أعطيته ، وإذا استنصرني نصرته ، وأحب ما تعبدني عبدي به النصح لي " . انظر : الإمام أحمد في المسند ، 6 / 256 ( مع تباين قليل في رواية الحديث ) ، والحكيم الترمذي في -